من الواضح أن الطرفين الرئيسيين المنخرطين في الحرب على إيران الدائرة الآن، الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران والقوى المساندة لها من جهة أخرى، يخوضان هذه الحرب بمنطق الصراع من أجل البقاء، أي بمنطق الصراع الوجودي، الأمر الذي وضع العالم أمام مباراة صفرية بامتياز، الرابح فيها يحصل على كل شيء، ولا يحصل الخاسر فيها على أي شيء. وبغض النظر عما إذا كان المنطق يعبر عن الواقع، إلا أن من المؤكد أنه يشير إلى الحالة الذهنية المتحكمة التي ينظر من خلالها إلى الصراع بين إيران وإسرائيل، بشكل عام، خصوصًا منذ تصريح للرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، في خطاب ألقاه في مؤتمر طلابي يوم 26 أكتوبر عام 2005. نجاد دعا في هذا الخطاب، ووفقاً لترجمة إذاعة جمهورية إيران الإسلامية الأولى، إلى "محو المستعمر من الخريطة"، وهي أثارت كثيرًا من الجدل وتعامل كثير من وسائل الإعلام العالمية معها على أنها دعوة لمحو إسرائيل من الخريطة، خصوصًا في ضوء التصريحات المتكررة لشخصيات من القيادة الإيرانية بمستوياتها المختلفة التي تتوعد إسرائيل والولايات المتحدة التي يصفونها بالشيطان الأكبر بالموت.
منذ تلك اللحظة، تنظر إسرائيل والولايات المتحدة، وإلى حد ما دول الخليج العربية، المجاورة إلى أي تراكم للقوة العسكرية وغير العسكرية تحققه إيران، وإلى أي تحالفات تقيمها طهران مع الجماعات المختلفة في العالم العربي ومع الدول الأخرى على أنها جهود تستهدف تحويل التهديدات اللفظية إلى واقع. فتصريحات القيادات الدينية والسياسية الإيرانية تكشف النوايا الإيرانية تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، مما يؤدي إلى تفسير أي سلوك تسلكه طهران في المنطقة على أنه، حلقة من حلقات بناء القوة اللازمة وحشد الطاقات من أجل القضاء على إسرائيل. وبالتالي، يصبح أي تراكم للقوة الإيرانية، في نظر إسرائيل والولايات المتحدة، بمثابة انتقال من نوايا قد تكون مضمرة أو معلنة لدى قطاعات واسعة من الجمهور في بلدان المنطقة، إلى حالة تهديد مؤكد مدعوم بوسائل القوة اللازمة، وفي هذا السياق جرى النظر إلى البرنامج النووي الإيراني الذي حظي بدفعة قوية في مدتي رئاسة أحمدي نجاد (2005- 2013)، كسعي لامتلاك القوة اللازمة، خصوصًا بعدما كشفت جماعة "مجاهدي خلق" (مجاهدي الشعب) الإيرانية المعارضة أن هناك جوانب في هذا البرنامج تنفذ بعيدًا عن رقابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهو الأمر الذي أدى إلى أزمة البرنامج النووي الإيراني، التي تشكل جوهر الحرب الدائرة الآن والتي شهدنا جولتها الأولى في يونيو الماضي، وتتصاعد جولتها الراهنة على نحو يهدد بتحولها إلى حرب إقليمية واسعة ومدمرة وإمكانية لأن تتحول إلى حرب عالمية قد تستخدم فيها الأسلحة النووية، لاسيما في ضوء عجز طرفي الحرب الرئيسيين، إيران وإسرائيل عن التوصل إلى حل وسط لفتح مسار بديل لمسار التصعيد المدمر.
المفارقة اللافتة التي تكشفها الحرب الراهنة على إيران تتمثل في أنه في الوقت الذي تعجز فيه الولايات المتحدة عن حسم الحرب اعتمادًا على القوة المسلحة، تتراجع احتمالات وقف الحرب بالوسائل الدبلوماسية، وفيما تتسارع جهود القوى الدولية لفتح مضيق هرمز أمام الملاحة بشكل كامل لتقليل آثار الحرب على التجارة والاقتصاد العالميين، تحذر إيران من أنها سترد على أي تحرك استفزازي بتصعيد مماثل ستكون له نتائج كارثية على الولايات المتحدة وإسرائيل وعلى دول الخليج. ومن المرجح أن تشهد العمليات العسكرية تصعيدًا غير مسبوق في الساعات القليلة القادمة بعد انتهاء المهلة التي حددها الرئيس الأمريكي لإيران لفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة بشكل كامل، فيما تتراجع قدرة المجتمع الدولي على احتواء الآثار المترتبة على استمرار العمليات العسكرية أو وقف تصعيدها الذي تتزايد احتمالاته في ضوء تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بضربات "شديدة للغاية" لإيران تعيدها إلى العصر الحجري أو تنهي حضارتها. ومن غير المتوقع حدوث تطور مفاجئ في سير العمليات العسكرية المستمرة، طالما كان لدى الطرفين اللذين يمتلكان الإرادة لمواصلة القتال الذخيرة التي تمكنهما من ذلك، وما لم تكن هناك مؤشرات على تراجع قدرة أي منهما على التصعيد، فيما تجري الأطراف التي تراقب الحرب وتطوراتها، لاسيما الصين وروسيا وحلفاء واشنطن في أوروبا الغربية، حسابات دقيقة لما قد يترتب على كل سيناريو من السيناريوهات المحتملة لإنهاء الحرب، إلا جانب جهودها لاحتواء تأثيرها وتأثير أي تصعيد محتملة على أوضاعها الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية. وهي حسابات تثير مخاوف هذه القوى، لاسيما إذا انتهت هذه الحرب بانتصار حاسم لأي من طرفيها، وتدفعها إلى التدخل للتأثير في هذه الحرب.
على خطى نتنياهو
ربما كانت المشكلة الأساسية في هذه الحرب أن لم تشن وفقًا للحسابات الأمريكية بالأساس، وإنما تشن وفقا لحسابات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته اليمينية المتشددة، إذ يراودهم الأمل في تحقيق انتصار حاسم، يمكن إسرائيل من بناء نظام إقليمي جديد تلعب فيه دورًا قياديًا ويمكنها من تحقيق الحلم التاريخي وتحقيق الوعد التوراتي بإقامة "إسرائيل الكبرى". وهناك اتفاق واسع بين المراقبين على أن ترامب، الذي عجز عن تقديم حجج مُقنعة للجمهور الأمريكي، ولحلفائه في أوروبا وفي آسيا، لتبرير الحرب، سواء قبل بدء الضربات على إيران أو بعدها، منساق وراء التصور الذي يروج له نتنياهو منذ بدء الحرب على غزة في أكتوبر 2023، بأن حسم الصراع التاريخي في الشرق الأوسط بات وشيكًا، وأن إسرائيل ستتمكن من تدمير، أو على الأقل إبعاد، مصادر التهديد المباشر لأمنها. وهناك العديد من المؤشرات على أن واشنطن لا تحرص على مصالح أي من شركائها الآخرين في المنطقة، لاسيما في دول الخليج العربية التي تحملت جانبًا كبيرًا من تكلفة هذه الحرب التي لم تكن طرفًا مباشرًا فيها، وهذه من النتائج المتوقعة للاتفاقيات الإبراهيمية الموقعة في عامي 2019، و2020، التي لطالما حذرنا منها.
وعلى الرغم من أن الرئيس الأمريكي جادل خلال الخطاب الذي ألقاه يوم الأربعاء الماضي، في وقت ذروة المشاهدة، بأن إيران تُشكّل خطرًا دوليًا، إلا أنه لم يوضح كيفية التعامل مع هذا الخطر ولا ماهية النصر الذي يتطلع إلى تحقيقه، أو كيف يُمكن تحقيقه. ووجد ترامب نفسه غارقًا في مستنقعٍ آخر في الشرق الأوسط، ولا يملك خطة وتصور للخروج، وليس أمامه سوى الانزلاق إلى تصعيد لا يعلم إلى أين قد يقوده ويقود المنطقة والعالم. وطرأ تغير على الخطاب الأمريكي والإسرائيلي فيما يخص إيران وحلفائها، إذ تم التراجع على ما يبدو عن الهدف الغامض وغير الواقعي المتعلق بالسعي إلى "تغيير النظام" في إيران، وكذلك إقرار إسرائيل بعدم واقعية هدف تفكيك سلاح حزب الله وقدراته العسكرية، إلا أن هذه التصريحات لم تساهم في خفض التصعيد، بل قوبلت بإصرار طهران على شروطها لإنهاء الحرب، الأمر الذي تترجمه إسرائيل وواشنطن وبعض القيادات في دول الخليج العربية على أنه استمرار "قدرة النظام (الإيراني) على تهديد أمريكا أو على بسط نفوذه خارج حدوده"، مما يدفعها إلى اختيار تصعيد الحرب على التهدئة، الأمر الذي يعزز من تصور المتشددين.
الحالة الذهنية التي تسيطر على نتنياهو وعلى بعض زعماء دول الخليج العربية، هي أن أي اتفاق مع إيران، يقويها ولا يضعفها. هكذا، كان تقييمهم للاتفاق النووي الذي توصلت إليه إيران مع القوى العالمية الست، الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن بالإضافة إلى ألمانيا، في عام 2015، بعد مفاوضات شاقة ومضنية، وهو الاتفاق الذي تراجعت عن واشنطن في الأسابيع الأولى من ولاية ترامب الأولى في عام 2016، ليفجر الأزمة التي تفاعلت وصولًا إلى اللحظة الراهنة، وإصرار الأطراف على مواصلة القتال حتى النهاية، وسيرهم على خطى نتنياهو، الذي لا يرى بديلا سوى تفكيك البرنامج النووي الإيراني بالكامل وكذلك تفكيك شبكة التنظيمات المسلحة التي تدعمها في لبنان والعراق واليمن وسوريا من قبل، وتفكيك قدراتها العسكرية الصاروخية ومن المسيرات. وفي ظل وضع كهذا يصبح السؤال متى سينتهي الصراع - وما حجم الضرر الذي سيحدث قبل انتهائه؟
والوقوع في أسر تصور نتنياهو يمنع واشنطن من التفكير في أفضل سبيل للخروج من المأزق الراهن، علاوة على إصرار طهران على إغلاق مثل هذا السبيل، الأمر الذي يتأكد من خلال رفضهم الاقتراح الباكستاني المصري التركي، الذي يقضي بتعليق العمليات العسكرية لمدة 45 يومًا والجلوس على طاولة مفاوضات تستضيفها باكستان. وعلى الرغم من أن هذا الاقتراح يعطي لواشنطن مخرجا للانسحاب من الحملة العسكرية المطولة، مما يمنحها صورة ما للنصر، وإمكانية لممارسة أقصى قدر من الضغط الاقتصادي على النظام المنهك في طهران، مع الاحتفاظ بحقها في توجيه ضربات أخرى لإيران. وهذه الأسباب تحديدًا، هي التي دفعت طهران إلى رفض الاقتراح والتمسك بشروطها لإنهاء القتال، وحرصها على التمسك بورقة الضغط الرئيسية التي تمسك بها، والمتمثلة في عرقلة الملاحة عبر مضيق هرمز، مع إمكانية تصعيد العرقلة الجزئية إلى إغلاق كامل للمضيق، في حالة التصعيد العسكري الأمريكي والإسرائيلي. هناك سبب آخر يتمثل في خشية إيران من أن تكون أمام سيناريو مماثل لسيناريو جنوب لبنان أو غزة، المتمثل في استمرار الضربات الإسرائيلية والتحركات العسكرية الإسرائيلية ضد حماس والفصائل الفلسطينية في غزة وضد حزب الله في إيران، على الرغم من وجود اتفاق لوقف الحرب لا يقيد قدرة إسرائيل على مواصلة العمليات العسكرية، الأمر الذي تفسره إيران بأنه التزام مفتوح بقصفها لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد أضرار الحرب دون فائدة تُذكر.
صعوبة تقييم الوضع
في عالم يزداد تعقيدًا وتشابكًا، لم يعد في مقدور أي طرف احتكار عناصر القوة المطلقة ومقوماتها، إذ بات في مقدور أي دولة أن تمتلك ما يناسبها من مقومات القوة وما يلزم لها لتتمكن من ممارسة قدر من التأثير على معادلة الصراع الدولي، سواء كانت طرفًا مباشراً في هذا الصراع أم لا. هذه الحقيقة واضحة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فالولايات المتحدة لم تستطع احتكار امتلاك القنبلة النووية التي استخدمتها لحسم الحرب مع اليابان، لفترة طويلة، إذ امتلكتها بسرعة قوى حليفة لواشنطن أو معادية لها، خلال سنوات قليلة، الأمر الذي أدى إلى حالة من السلام الدولي الطويل نسبيًا بعد الحرب، استنادًا إلى حقيقة الردع النووي وما أنشأه من توازن للرعب النووي. واستمر هذا الوضع، إلى حد، ما بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك حلف وارسو، ثم الاتحاد السوفيتي نفسه، على الرغم من توسع رقعة الصراع نتيجة تفجر الحروب الأهلية والدولية في كثير من المناطق في العالم، ونتيجة لظهور مصادر تهديد جديدة لأمن الدول والمجتمعات. في ظل هذا الوضع لم تعد القوة العسكرية غير قادرة على الحسم، خصوصًا إذا تم استخدام هذه القوة خارج إطار الشرعية، على النحو الذي يوضحه مقال الأستاذ أحمد حمدي درويش في المشهد يوم الثلاثاء.
ونتيجة لهذه التحولات البنائية، إضافة إلى عوامل ذاتية تتمثل في طبيعة القيادة الأمريكية التي تتحكم في قرار الحرب، أصبح من الصعب إجراء تقييم دقيق للموقف يساعد على استكشاف المسار المحتمل لهذه الحرب التي تخالف منطق الحرب التي عرفتها البشرية والمدونة في الكتب الكلاسيكية الخاصة بالحرب وفنونها، بدءًا بكتاب "فن الحرب" للمفكر الصيني صن تسو، أو كتاب المفكر الألماني فون كلاوزفيتز "عن الحرب"، وانتهاء بآلاف الدراسات التي اهتمت بموضوع الحرب، أسبابها واستراتيجيات وتكتبك إدارتها. وبينما كانت الحكمة التقليدية تشير إلى أن القادة حين يشنون الحروب لا يتوقعون أن يطول أمدها وأن تصبح تكلفتها البشرية والمادية أعلى مما يتقبله الرأي العام، والتي كانت تشكل عوامل ضغط يدفع القادة إلى التحلي بسلوك منضبط على مستوى التصريحات أو التصعيد لإنهاء القتال سريعاً، مع الاستعداد للانخراط في جولة أخرى من القتال إذا تطلب الأمر ومقتضيات الصراع أو الحفاظ على توازن للقوى يضمن الحد الأدنى من الأمن وتحقيق المصالح الحيوية للدولة. لكن لوحظ ابتعاد القادة عن هذه الحكمة إلى حد ما في كثير من الحروب التي لا تزال مشتعلة منذ مطلع الألفية.
على الرغم من التدفق الهائل في البيانات والمعلومات، في العقدين الماضيين، نتيجة لثورة المعلومات والاتصالات، الأمر الذي أتاح كمًا هائلًا من البيانات الآنية، إلا أن هذه الوفرة في البيانات وفي المعلومات لم تؤد إلى تحسين القدرة التحليلية للخروج باستنتاجات دقيقة تسمح باستشراف للمستقبل. على سبيل المثال، تتحدث تقارير منشورة في الصحف وكذلك تقييمات لمراكز الأبحاث والدراسات تستند إلى معلومات لأجهزة المخابرات والمعلومات عن استنزاف كبير للقدرات العسكرية للأطراف المتحاربة نتيجة للعمليات الحربية على نحو يوحي بتراجع قدرة هذه الأطراف على مواصلة الحرب بالوتيرة ذاتها أو يد من قدرتها على التصعيد والرد. وتشير تقارير إعلامية إلى استهلاك صواريخ توماهوك كروز الأمريكية الدقيقة، والتي تعد عنصرًا أساسيًا في الهجمات العسكرية الأمريكية، في الأسابيع الأربعة الأولى للحرب بمعدل يثير قلق المسؤولين العسكريين الأمريكيين، لأن هذه الصواريخ قادرة على إصابة أهداف على بعد يزيد عن 1000 ميل، ما يقلل الحاجة إلى إرسال طيارين أمريكيين إلى أجواء شديدة التحصين. لكن التقارير عن نقص هذه الصواريخ لم يكن لها صدى لا في التصريحات ولا في العمليات العسكرية الميدانية.
هناك عامل آخر يزيد صعوبة تقييم الوضع يتمثل في أن قرار ترامب بخوض هذه الحرب كان مدفوعا بعوامل نفسية بالأساس إلى حد غابت معه الاستراتيجية إلى حد بعيد، سواء على مستوى الحسابات والتقديرات أو على مستوى السيناريوهات المتعلقة بتصعيد الحرب أو بخفض التصعيد، وأيضا فيما يخص البحث عن طريق للخروج. وبينما كان ترامب يكافح قبل شهور، من أجل وقف الحرب في لبنان وفي غزة وخفض التصعيد العسكري، كان حريصًا في هذا الوقت على منع توسع الحرب إقليميًا الأمر الذي دفعه إلى تدخله الحاسم قرب نهاية الحرب القصيرة، التي اندلعت بين وإسرائيل في يونيو الماضي، من خلال توجيه ضربة قوية لمنشآت نووية إيرانية. لكن جهوده هذه المرة لا تؤتي أي ثمار إلى حد أنه بات مضطرًا ليخطو خطوة تتجاوز التعامل مع استراتيجية التصعيد الإيرانية والإسرائيلية، والتدخل المباشر في الحرب على إيران، وهو التدخل الذي كان سببًا رئيسيا لتوسيع بنك الأهداف الإيراني ليشمل أصولًا عسكرية واقتصادية ونفطية في دول الخليج التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية أو نقدم لها تسهيلات عسكرية وفق استراتيجية مدروسة للتصعيد. غلبة العوامل النفسية في هذه الحربة على الحسابات الاستراتيجية الباردة كان سببًا رئيسًا وراء غياب أي تحليل منطقي للأهداف الأمريكية لهذه الحرب، ولأن تتخلى الإدارة الأمريكية عن دورها التقليدي كقوة كابحة للجموح الإسرائيلي، الأمر الذي حرم واشنطن من قدرتها على إدارة الحرب والحفاظ على وضعها كوسيط في حل النزاعات الإقليمية.
نحو جبهة عالمية متحدة من أجل السلام
من الصعب معرفة ما إذا كان التغير في سلوك الولايات المتحدة نحو الصراعات في المنطقة ونحو إيران، هو أمر عرضي مرتبط بشخصية ترامب وأسلوبه في الحكم، أم أنه ناتج عن تحولات بنائية نتيجة لأزمات داخلية وخارجية تواجهها، وهو سؤال يستدعي اجتهادات مختلفة وتحليلات معمقة. لكن من الواضح أن لهذا التغير في السلوك تأثيرات تتجاوز المنطقة ولا تقتصر فقط على خصوم الولايات المتحدة ومنافسيها، وإنما تشمل أيضًا حلفاءها، الذين لم يجر التشاور معهم قبل هذه الحرب وجرى تهميشهم في المفاوضات التي سبقت الحرب عن عمد، والذين يتعرضون لضغوط من إسرائيل ومن ترامب للانضمام إليهما في الحرب على إيران وفتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية بالقوة، الأمر الذي يؤدي إلى تصعيد أكبر للحرب وقطع شامل لإمدادات النفط والغاز، والتأثير على سلاسل الإمداد الأخرى في العالم، وتصعيد الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها العالم. وتبدي الدول الأوروبية ممانعة في مواجهة الضغوط الأمريكية الأمر الذي يتضح من خلال تأجيل تصويت في مجلس الأمن بخصوص مضيق هرمز.
وعلى الرغم من وجود مؤشرات على دعم الدول الأوروبية وروسيا والصين لجهود الوساطة المشتركة لكل من باكستان ومصر وتركيا، من أجل التوصل إلى اتفاق يوقف الحرب ولو بشكل مؤقت، إلا أن هذا الدعم وحدة لا يكفي، بل يتطلب مشاركة من هذه الدول من أجل بلورة صيغة للاتفاق قادرة على جسر الفجوة الهائلة بين المطالب الأمريكية والإيرانية، من ناحية، ولجذب واشنطن بعيدا عن تأثير نتنياهو من ناحية أخرى، واستثمار موقف الحزب الديمقراطي الأمريكي وكثير من المؤسسات وقادة الرأي العام الأمريكي، التي باتت تدرك خطورة غياب موقف أمريكي مستقل ومتمايز عن الموقف الإسرائيلي على هامش المناورة الذي كانت تتمتع به الولايات المتحدة كوسيط في حل الصراعات في المنطقة وفي مقدمتها الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، واستثمار التقارير التي تتحدث عن الأخطاء والحسابات والتقديرات السيئة لإدارة ترامب في قرارها المشاركة في الضربة العسكرية ضد إيران.
إن المعارضة المتزايدة من قبل قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي والنخبة تثير قلق ترامب على نحو يدفعه لتبني مواقف أكثر تشددا وانعزالية، فبعض هذه التحركات يزيد من الخطر الذي قد يواجهه ترامب بإضافة احتمال محاكمته دوليًا للاشتباه في ارتكابه جرائم حرب، إضافة إلى المحاكمة التي يواجهها في الداخل بسبب انتهاكات للدستور والقانون الأمريكيين. ومن هذه التحركات الرسالة المفتوحة التي وقع عليها عشرات من خبراء القانون الدولي في الولايات المتحدة والتي حذروا فيها من أن الضربات الأمريكية على إيران قد ترقى إلى جرائم حرب، لاسيما في ضوء تهديده باستهداف محطات الكهرباء وتحلية المياه في إيران، وجاء في الرسالة التي وقعها أكثر من 100 خبير في القانون الدولي من جامعات أمريكية بارزة، مثل هارفارد وييل وستانفورد وكاليفورنيا، أن ممارسات القوات الأمريكية وتصريحات مسؤولين كبار في الإدارة الأمريكية "تثير مخاوف جدية بشأن انتهاكات للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، بما يتضمن جرائم حرب محتملة".
على الرغم من أن الشروط الإيرانية العشرة تركز على وقف دائم للحرب الراهنة، بما في ذلك وقف هجمات إسرائيل على حزب الله في لبنان، و ضد جميع حلفاء إيران في المنطقة، وشروط لإعادة فتح مضيق هرمز تضمن لإيران تعويضات عما لحقها من أضرار نتيجة الضربات الأمريكية والإسرائيلية، إلا أن هذه الشروط لم تتطرق إلى الأسباب الأخرى المباشرة وغير المباشرة التي أدت إلى اندلاع الحرب الراهنة، إلا أن إيران أكدت في البند العاشر رفض "أي حل لوقف إطلاق النار مؤقت"، وأكدت سعيها إلى حل دائم وشامل للنزاع، وهو أمر لن يتحقق إلا من خلال الشروع في تحرك دولي أوسع لإنهاء الصراع الجذري الطويل والممتد، وهذا يتطلب جهدا دوليا يتجاوز الولايات المتحدة وإسرائيل والمواقف الرسمية لدول المنطقة، ويكون بمثابة مقدمة لتشكل تحالف دولي واسع ومتعدد المستويات والتحرك الممنهج من أجل التوصل إلى سلام ينهي كل الحرب، والانتقال بعيد من منطق السلام الذي ينهى أي إمكانية للسلام في المنطقة ويبقي احتمال تجدد الحروب المدمرة قائمًا.
-------------------------------
بقلم: أشرف راضي






